Categories
Uncategorized

صادرات النفط الروسية في مرمى رسوم ترمب الجمركية.. تبعات اقتصادية وجيوسياسية (مقال)

في يوم 30 مارس/آذار الماضي، أصبحت صادرات النفط الروسية في مرمى تهديدات رسوم ترمب الجمركية المقترحة الهادفة إلى الضغط باتجاه وقف الحرب في أوكرانيا.

يأتي ذلك في إطار تصعيدٍ دراماتيكي للضغوط الجيوسياسية؛ حيث أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنذارًا نهائيًا صارمًا لموسكو في حال عزت واشنطن فشل مفاوضات السلام إلى روسيا.

حينذاك، ستفرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية ثانوية شاملة تصل إلى 50% على صادرات النفط الروسية، وربما على جميع السلع القادمة من الدول التي لا تزال تشتري الطاقة الروسية.

ويعكس هذا التحذير، الذي اتسم بالصراحة المعهودة، رغبة ترمب في الظهور بمظهر القوي في السياسة الخارجية، ومحاولةً مدروسةً لإعادة تشكيل هيكل الطاقة العالمي باستعمال القوة الاقتصادية الأميركية؛ وقد تكون التداعيات المحتملة -اقتصاديًا ودبلوماسيًا وجيوسياسيًا- وخيمة.

استهداف البنية التحتية لتصدير النفط الروسي

على عكس العقوبات التقليدية، التي تستهدف شركة أو قطاعًا محددًا، تستهدف الرسوم الجمركية الثانوية التي اقترحها ترمب البنية التحتية لتصدير النفط الروسي بالكامل، وذلك بالضغط على أكبر مشتريْن له -الهند والصين- لوقف مشترياتهما.

وتمثل الآلية التي اقترحها ترمب في الواقع عقوبة تجارية: ستواجه الدول التي تتعامل مع شركات الطاقة الروسية رسومًا جمركية باهظة -تتراوح بين 25% و50%- على جميع الصادرات إلى الولايات المتحدة.

يختلف هذا النهج نوعيًا عن العقوبات الأميركية السابقة.

مضخات النفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية
مضخات النفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية – الصورة من رويترز

ففي عهد إدارة بايدن، طُبِّقت العقوبات المتعلقة بالطاقة على روسيا ضمن إطار واضح: حظر تام على واردات الطاقة الروسية المباشرة، ووضع سقف لسعر النفط الروسي المنقول بحرًا بقيادة مجموعة الـ7 (60 دولارًا للبرميل)، وعقوبات على سفن الأسطول غير الرسمي.

وقد صُممت هذه الإجراءات بعناية لتجنب حدوث اضطرابات عالمية هائلة في مجال الطاقة.

في المقابل، يتسم تهديد ترمب بالإكراه بشكل واضح ويفتقر إلى الوضوح العملي؛ ما يثير احتمال حدوث صدمات حادة في الإمدادات وفوضى في السوق العالمية.

رد فعل موسكو الحذر

كان رد فعل الكرملين مدروسًا بعناية، فقد أقرّ المتحدث باسم الرئاسة دميتري بيسكوف، بالحوار الجاري مع واشنطن، واصفًا قضية التسوية الأوكرانية بأنها “معقّدة للغاية” وتتطلّب “جهدًا إضافيًا كبيرًا”.

ويشير هذا الردّ المدروس إلى أن موسكو تُدرك جدية تهديدات ترمب والغموض المحيط بتنفيذها.

وفي الكواليس الدبلوماسية، يستعد مخططو الطاقة للتأثير؛ فأي توقّف في صادرات النفط الروسية -التي تبلغ حاليًا نحو 4 ملايين برميل يوميًا إلى الصين والهند- من شأنه أن يُحدث خللًا حادًا في الهيكل المالي لروسيا، التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على إيرادات الهيدروكربون.

في عام 2024، كانت روسيا مصدر ما يقرب من 40% من واردات الهند من النفط، بينما زادت الصين وارداتها بشكل مطرد عبر الشحنات البحرية وخط أنابيب شرق سيبيريا – المحيط الهادئ (ESPO).

الهند والصين في مرمى النيران

تجد الهند والصين نفسيهما الآن في مأزق حرج؛ فإذا امتثلتا لمطالب ترمب وخفضتا مشترياتهما من النفط الروسي؛ فإنهما تخاطران بنقص الطاقة، وانقطاعات في سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الاستيراد.

أما إذا رفضتا؛ فقد تواجه اقتصاداتهما المعتمدة على التصدير رسومًا جمركية أميركية باهظة على مجموعة واسعة من السلع، من الإلكترونيات إلى الأدوية.

وقد أفادت وكالة بلومبرغ بأن مصافي التكرير الهندية تعيد تقييم إستراتيجياتها في الحصول على التوريد. وتسعى شركتا بهارات بتروليوم (Bharat Petroleum) وهندوستان بتروليوم (Hindustan Petroleum) العملاقتان المملوكتان للدولة إلى إمدادات بديلة من الشرق الأوسط وبحر الشمال والبحر الأبيض المتوسط.

مضخات النفط في غرب سيبيريا
مضخات النفط في غرب سيبيريا – الصورة من وكالة تاس الروسية

وفي الوقت نفسه، فإن التحول عن النفط الخام الروسي يعني فقدان إمكان الحصول على الخصومات الكبيرة التي تقدمها موسكو؛ وهي حجر الزاوية في إستراتيجية الهند لتوفير الوقود بأسعار معقولة.

بدورهم، يواجه الموردون الجدد تقلبات في الأسعار وتداعيات جيوسياسية، ولا سيما في منطقة غارقة بشكل متزايد في التوترات بين إيران وإسرائيل.

من ناحيتها، تبدو حسابات القرار الصينية أكثر إستراتيجية، وبصفتها أكبر مستورد للنفط في العالم ومنافسًا قويًا للولايات المتحدة، تنظر بكين إلى الطاقة الروسية بصفتها عنصرًا أساسيًا في هيكل أمنها القومي.

وسيؤدي الابتعاد عن النفط الروسي إلى زيادة اعتمادها على الطرق البحرية، ولا سيما عبر مضيق ملقا، وهي منطقة معرضة لهيمنة البحرية الأميركية.

لذا، من المرجح أن يقاوم صانعو السياسات الصينيون الضغوط الأميركية ما لم تصبح التكلفة باهظة للغاية.

توقعات حصول نزاع تجاري عالمي

في حال واصل ترمب فرض العقوبات وتحدته الهند والصين، فسيصبح النزاع التجاري العالمي حتميًا تقريبًا. وستواجه السلع من كلا البلدين رسومًا جمركية ضخمة في السوق الأميركية، ما يزيد التكاليف على المستهلكين الأميركيين ويؤجّج الضغوط التضخمية.

وبحسب ما يشير نائب مدير المعهد الوطني للطاقة الروسي ألكسندر فرولوف؛ “سيرتفع سعر كل جهاز آيفون مُجمّع في الصين؛ وهذا سيؤثر في المستهلكين الأميركيين أكثر من الشركات المصنعة الصينية”.

من جهة ثانية، تنطوي التداعيات السياسية الداخلية على آثار عميقة، وخلال أزمة الطاقة عام 2022، ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة إلى 1.35 دولارًا للتر، ما أثار غضبًا شعبيًا واسع النطاق ورد فعل سياسيًا عنيفًا ضد الرئيس بايدن.

واستغل ترمب وزملاؤه الجمهوريون هذه القضية، واستعملوها سلاحًا خلال انتخابات التجديد النصفي.

وفي حال تسببت سياسة ترمب في ارتفاع مماثل؛ فمن المرجح أن يرد الديمقراطيون الجميل، ويضعون ملصقات على محطات الوقود مكتوب عليها: “ترمب فعل هذا”.

إضافة إلى ذلك، لن تقتصر العقوبات المقترحة على السلع الاستهلاكية، وستشمل الواردات الإستراتيجية، بما في ذلك الأدوية، والمعادن النادرة، ومكونات التصنيع المتقدمة.

وقد تُفاقم هذه التأثيرات المتتالية نقاط ضعف سلسلة التوريد، خلال الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى استعادة الصناعات الحيوية إلى الداخل.

ناقلة ظل لشحن صادرات النفط الروسية
ناقلة ظل لشحن صادرات النفط الروسية – الصورة من oilprice

البديل: صدمة إمدادات تاريخية

في حال رضخت الهند والصين للضغوط الأميركية وقلصتا واردات النفط الروسي، فسيواجه العالم أزمة إمدادات فورية.

وسيُسحب ما يصل إلى 5 ملايين برميل يوميًا -بما في ذلك المنتجات النفطية- من السوق العالمية.

ويقدر محللون في الجامعة المالية بموسكو والصندوق الوطني لأمن الطاقة (NESF) أن مثل هذا الاضطراب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى ما بين 300 و350 دولارًا للبرميل.

وستكون خيارات روسيا محدودة لإعادة توجيه الكميات، فالصادرات إلى أوروبا والولايات المتحدة محظورة، حاليًا، في حين أن البنية التحتية اللوجستية للأسواق الأخرى مقيدة.

في عام 2022، أدت خسارة مليون برميل فقط يوميًا إلى تخفيضات مؤقتة في الإنتاج وارتفاع الأسعار إلى 120 دولارًا.

وفي هذه المرة، فإن المخاطر أكبر بكثير، فقد يكون المنتجون الآخرون -خصوصًا في منظمة أوبك (OPEC)- غير راغبين أو غير قادرين على ملء الفراغ.

وحسبما يلاحظ فرولوف؛ “لا أحد يريد أن يكون مساعدًا للجلاد”.

ناقلة النفط (فوغا بلومارين) بالقرب من مدينة ناخودكا الساحلية في روسيا
ناقلة النفط (فوغا بلومارين) بالقرب من مدينة ناخودكا الساحلية في روسيا – الصورة من رويترز

أزمة غازبروم الصامتة

تمر شركة غازبروم (Gazprom)، عملاقة الطاقة المحلي في روسيا، بأزمة صامتة.

وفي مواجهة خسائر قياسية في عام 2024، تُعيد الشركة العملاقة المملوكة للدولة هيكلة مواردها المالية الداخلية.

وقد كشفت معلومات مُسرّبة عن خطط لإعادة توزيع أرباح وحدتها النفطية، غازبروم نفط (Gazprom Neft)، لدعم عملياتها الخاسرة في قطاع الغاز.

ويهدف هذا الدعم الداخلي المتبادل إلى الحفاظ على مظهر الشركة المالي السليم أمام مساهمي الدولة، إلا أنه يُسلط الضوء على الفساد المُمنهج داخل إمبراطورية طاقة كانت مُهيمنة في السابق.

وبعد أن بُنيت غازبروم لتزويد أوروبا عبر عقود طويلة الأجل، أصبحت الآن من مخلفات عصر مضى.

ونتيجة لتوقف صادراتها إلى أوروبا تقريبًا، وعجز أسعار الغاز المحلية عن تغطية التكاليف، يُنظر إلى الشركة على أنها ضخمة للغاية وذات أهمية إستراتيجية لا يُمكن التخلي عنها، ومع ذلك فهي غير مستدامة.

إزاء ذلك، تتزايد الدعوات إلى الإصلاح، ويرى الخبراء أنه ينبغي تقسيم شركة غازبروم إلى كيانات منفصلة -الإنتاج والنقل والتوزيع- لتعزيز الشفافية وانضباط السوق.

وتتطلب مثل هذه الخطوة قرارًا سياسيًا من الكرملين، الذي لم يُبدِ حتى الآن أي استعداد لتفكيك الهيكل البيروقراطي الذي ورثه عن وزارة صناعة الغاز السوفيتية.

قازاخستان ومنطقة بحر قزوين

تتردد أصداء تهديدات ترمب خارج حدود روسيا؛ ففي الأيام التي أعقبت تحذيره بشأن الرسوم الجمركية، علّقت هيئات تنظيم النقل الروسية العمليات في رصيفين تابعين لاتحاد خط أنابيب بحر قزوين (CPC)، وهو شريان رئيس لصادرات النفط القازاخستانية.

وكان السبب الرسمي هو عملية تفتيش مرتبطة بانتهاكات بيئية، لكن التوقيت يوحي بخلفية سياسية.

ونظرًا إلى أن شركتي شيفرون (Chevron) وإكسون موبيل (ExxonMobil) من بين الجهات المعنية باتحاد خط أنابيب بحر قزوين؛ فإن أي إغلاق مطول قد يؤثر سلبًا في المصالح الأميركية ويزيد من توتر العلاقات بين واشنطن وموسكو.

من جانبها، تواصل قازاخستان تجاوز حصص إنتاج تحالف أوبك+، حيث وصلت إلى 2.17 مليون برميل يوميًا في مارس/آذار الماضي.

وبالنظر إلى وجود سعة تخزين تكفي لـ5 أيام فقط في محطة تحالف خط أنابيب بحر قزوين، فقد تضطر البلاد إلى خفض الإنتاج إذا استمر النزاع.

وتُعد الرسالة الأوسع من موسكو واضحة: لا تزال روسيا تحتفظ بنفوذها على تدفقات الطاقة الأوراسية، وهي مستعدة لاستعمال هذا النفوذ ردًا على الضغوط الغربية.

العواقب الجيوسياسية

تُمثل الرسوم الجمركية الثانوية التي اقترحها ترمب على النفط الروسي مقامرة جيوسياسية من الطراز الأول. وعند تنفيذها، ستُعطل الرسوم أسواق الطاقة العالمية وتُوتر علاقات الولايات المتحدة مع شركاء بارزين مثل الهند والصين، وستُطلق موجة انتقامية من القيود التجارية والتضخم وصدمات العرض.

وستُقوّض هذه الخطوة الانتعاش الاقتصادي العالمي؛ ما قد يُبشر بعهد جديد من قومية الطاقة وتراجع العولمة. وستضعف روسيا لكنها لن تُنهك.

وقد تُعوّض أسعار النفط المرتفعة الكميات المفقودة، بينما قد تجد الصين والهند في نهاية المطاف طرقًا للالتفاف على العقوبات عبر وسطاء وشبكات موازية.

وبالنسبة للتكلفة الحقيقية، فستقع على عاتق دول الجنوب العالمي والأسواق الناشئة والمواطنين العاديين في الغرب، العالقين في مرمى نيران نزاع جيوسياسي يفتقر إلى نهاية واضحة.

في جوهره، لا يُعد تهديد ترمب سياسة مُدروسة، بل هو رافعة جيوسياسية قد تأتي بنتائج عكسية إذا استُعملت دون إستراتيجية واضحة.

ويخاطر هذا التهديد باستبدال توازن الطاقة الهش بالفوضى؛ ما يُنفّر الحلفاء، ويُسرّع من إعادة تشكيل النظام متعدد الأقطاب الذي تسعى واشنطن إلى منعه.

ونتيجة لتزايد ميل النظام العالمي نحو التشرذم، أصبحت الحاجة إلى دبلوماسية متعددة الأطراف ودقيقة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ويتمثل البديل في حرب طاقة بلا منتصرين، وسيسفر عن أضرار جانبية فقط.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إقرأ: صادرات النفط الروسية في مرمى رسوم ترمب الجمركية.. تبعات اقتصادية وجيوسياسية (مقال) على منصة الطاقة