المرأة الأفريقية وتغير المناخ.. نحو سياسات أكثر إنصافًا واستدامة (مقال)
يعدّ تغير المناخ أحد أكبر التحديات التي تواجه العالم اليوم، إلّا أن تأثيره يطال النساء في أفريقيا بشكل غير متناسب.
ويزيد هذا الأمر من هشاشة المرأة الأفريقية على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، ويحدّ من فرصهنّ في تحقيق التنمية المستدامة.
فظروف تغير المناخ تؤثّر مباشرةً في حياة النساء الأفريقيات، بدءًا من ندرة الموارد الطبيعية، وصولًا إلى تزايد أعباء العمل وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
ويمكن اختصار هذه التأثيرات على المستويات التالية:
1. مستوى الأمن المائي والغذائي
وفقًا لإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الفلاحين والعاملين في المناطق الريفية، تواجه النساء المزارعات تحديات متعددة تحول دون تبنّيهن ممارسات زراعية مبتكرة ومستدامة، رغم دورهنّ الجوهري في تحقيق الأمن الغذائي، لا سيما في الدول النامية.
ومن أبرز هذه التحديات محدودية الوصول إلى الأراضي الزراعية، حيث كانت ملكية الأراضي حكرًا على الرجال بنسبة 100% في دول مثل قطر والمملكة العربية السعودية عام 2016.
كما تعاني النساء من صعوبة الحصول على المياه ومدخلات الزراعة والمعلومات المتعلقة بالأسواق والأسعار، فضلًا عن نقص التمويل والتقنيات الحديثة وخدمات الإرشاد الزراعي ومعلومات الطقس وأدوات إدارة المخاطر.
إضافة إلى ذلك، فإن ضعف تمثيلهنّ في العلاقات الاقتصادية والسياسية يحدّ من قدرتهن التفاوضية، مما يفاقم التحديات التي تواجههن في القطاع الزراعي.
ورغم ارتفاع نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة الزراعية من 30% عام 1980 إلى نحو 45% عام 2010، بل وتجاوزت 60% في بعض الدول مثل الأردن وليبيا وسوريا والأراضي الفلسطينية المحتلة، إلّا أنهنّ ما زلن يواجهن صعوبات في الوصول إلى الموارد التي تمكّنهن من الاستثمار في ريادة الأعمال الزراعية.
وتعتمد النساء في أفريقيا بشكل كبير على الزراعة بصفته مصدرًا رئيسًا للرزق، حيث يشكّلن نحو 50 إلى 60% من القوى العاملة الزراعية في العديد من الدول الأفريقية.
إلّا أن تداعيات تغير المناخ، مثل الجفاف والتصحر وندرة المياه، تؤدي إلى تراجع إنتاجية الأراضي الزراعية، مما يؤثّر مباشرةً في دخل المرأة ويزيد من معاناة الأسر الفقيرة.
2. زيادة أعباء العمل والهجرة القسرية
وفقًا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، فإن الأسر الريفية التي تعيلها النساء في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تعاني من خسائر سنوية في الدخل تصل إلى 8% بسبب الإجهاد الحراري، بالإضافة إلى 3% أخرى بسبب الفيضانات، وهي من ظواهر تغير المناخ.
وفي ظل تفاقم الجفاف وشحّ المياه، تضطر النساء والفتيات إلى قطع مسافات طويلة لجلب المياه، مما يقلل من فرصهنّ في التعليم والعمل.
كما أن الظروف المناخية القاسية تدفع العديد من الأسر إلى الهجرة من المناطق القاحلة إلى المدن، مما يزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على النساء، ويحدّ من قدرتهن على تحقيق الاستقرار المالي والاجتماعي.
3. التأثيرات الصحية والاجتماعية
تشير دراسات متعددة إلى أن النساء أكثر عرضة للوفاة خلال الكوارث المرتبطة بتغير المناخ، إذ يزيد عدد النساء اللائي يفقدن حياتهن في كوارث مثل العواصف والأعاصير والفيضانات بمقدار 14 مرة مقارنة بالرجال.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن النساء يشكّلن 70% من بين 1.3 مليار شخص يعيشون في ظروف فقر حول العالم.

وفي المناطق الحضرية، تتحمل النساء مسؤولية إعالة 40% من أفقر الأسر.
وفي جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، أدى تغير المناخ إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الملاريا والكوليرا، مما يؤثّر خصوصًا في النساء الحوامل والأطفال.
كما أن الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف تؤدي إلى تدمير البنية التحتية الصحية، مما يحدّ من إمكان حصول النساء على الرعاية الصحية الكافية.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن النساء في البلدان الأفريقية التي تعاني من الجفاف والفيضانات المتكررة يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات رعاية الأمومة، مما يزيد من مخاطر الوفاة في أثناء الولادة.
كما تفيد الدراسات بأن الفتيات في بعض الدول الأفريقية أكثر عرضة للتسرب من المدارس بسبب الكوارث الطبيعية، حيث يُسحَبْن للعمل في مزارع الأسرة أو المساعدة في تدبير شؤون المنزل.
وفي بعض الحالات، يُجبر بعض الآباء على تزويج بناتهم في سنّ مبكرة نتيجة الأزمات الاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ، مما يقلّص من فرصهن في التعليم والعمل المستقبلي.
تعزيز دور المرأة في التكيف مع تغير المناخ
رغم هذه التحديات الكبيرة، تؤدي النساء دورًا رئيسًا في التكيف مع تغير المناخ وإيجاد حلول مستدامة.
فمن خلال المعارف التقليدية والممارسات البيئية، تسهم النساء الأفريقيات في حماية الموارد الطبيعية وتعزيز الأمن الغذائي.
ونظرًا للتأثير العميق للتغيرات المناخية على النساء، خاصة في المناطق الريفية في أفريقيا، تبرز الحاجة إلى تبنّي استراتيجيات شاملة لتعزيز قدرة المرأة على التكيف مع هذه التحديات.
يأتي في مقدمة هذه الحلول تعزيز حقوق المرأة في امتلاك الأراضي وإدارتها، من خلال إصلاح القوانين والسياسات الزراعية، إلى جانب توفير قروض صغيرة وبرامج دعم مالي تعزز استقلاليتها الاقتصادية.
كما يعدّ تطوير برامج التكيف المناخي الموجهة للمرأة أمرًا ضروريًا، عبر دعم مشروعات الزراعة الذكية مناخيًا، وتوفير التدريب على تقنيات الحفاظ على المياه والزراعة المستدامة، بالإضافة إلى تشجيع مشروعات الطاقة المتجددة في المناطق الريفية للحدّ من الاعتماد على المصادر التقليدية.

وفي إطار تعزيز الحماية الاجتماعية، يجب توفير شبكات أمان اجتماعي تشمل مساعدات نقدية وتأمينًا ضد المخاطر المناخية، مثل تأمين المحاصيل والتأمين الصحي، مما يخفف من الأعباء الاقتصادية على النساء.
علاوة على ذلك، فإن تعزيز مشاركة المرأة في صنع القرار البيئي والمناخي يُعدّ خطوة أساسية لضمان إدماجها في اللجان الوطنية والإقليمية المعنية بالسياسات البيئية.
كما يجب الاستثمار في التعليم والتوعية، من خلال دمج قضايا المرأة والتغير المناخي في المناهج الدراسية وتنظيم حملات توعية تسلّط الضوء على دور المرأة في التكيف مع التغيرات البيئية.
ومع تصاعد الأزمات المناخية، تبرز الحاجة إلى مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، عبر تنفيذ سياسات حماية ودعم نفسي واجتماعي للنساء المتأثرات بالكوارث الطبيعية.
وأخيرًا، فإن تعزيز التعاون الإقليمي والدولي يظل عنصرًا محوريًا، من خلال إقامة شراكات بين الحكومات الأفريقية والمنظمات الدولية لتمويل المشروعات البيئية الموجهة للمرأة، وتشجيع تبادل الخبرات حول أفضل الممارسات في تمكينها بيئيًا.
إن تطبيق هذه الإستراتيجيات من شأنه أن يسهم في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية، مع ضمان أن تكون المرأة شريكًا رئيسًا في الحلول البيئية المستدامة.
مما تَقدَّم فانّ تغيُّر المناخ تحدٍّ كبير للمرأة في أفريقيا، لكنه في الوقت ذاته يتيح فرصة لتعزيز دورها قائدةً في التنمية المستدامة والتكيف المناخي.
لذلك، من الضروري أن تستمر الحكومات والمنظمات الدولية في دعم النساء من خلال سياسات تضمن لهن الوصول إلى الموارد والتدريب اللازمين لمواجهة الأزمات المناخية بفعالية.
موضوعات متعلقة..
- تحديات التكيف مع تغير المناخ في أفريقيا (مقال)
- تغير المناخ يخفّض الناتج المحلي الإجمالي العالمي للنصف بحلول 2070
- دراسة: تغير المناخ يرفع أعداد الفئران في المدن الكبرى
اقرأ أيضًا..
- أكبر 5 صفقات نفطية في مارس 2025.. صدارة عراقية للشهر الثاني (تقرير)
- الطاقة النووية في الهند تشهد طفرة.. طرح مناقصة الأولى من نوعها
- حقل غاز باحتياطيات 308 تريليونات قدم مكعبة يشهد حدثًا لأول مرة
إقرأ: المرأة الأفريقية وتغير المناخ.. نحو سياسات أكثر إنصافًا واستدامة (مقال) على منصة الطاقة