عمالقة الانبعاثات: من المسؤول الحقيقي عن تغير المناخ؟
في كل مرة نشغّل فيها محرك سيارة، أو نضيء مصباحًا، أو حتى نتناول وجبة طعام، فإننا، ومن دون أن ندري غالبًا، نُطلق شرارة صغيرة تساهم في ظاهرة عالمية ضخمة ألا وهي: التغير المناخي. خلف هذه الشرارات، تقف القطاعات عالية الانبعاثات، وهي ليست مجرد مصطلح تقني جاف، وإنما تمثل شريان الحياة لاقتصادنا الحديث، لكنها في الوقت ذاته تشكّل التحدي الأكبر في معركتنا من أجل كوكب أكثر صحة.
تتنوع هذه القطاعات، بدءًا من محطات توليد الطاقة ومصانع الصلب والأسمنت، مرورًا بـشبكات النقل البري والجوي والبحري، ووصولًا إلى الزراعة وتربية الماشية، التي تضخ كميات هائلة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
وبالتالي، فهي ليست مجرد أرقام في معادلات معقدة، بل عوامل ملموسة تؤثر في حياتنا اليومية، من ارتفاع درجات الحرارة إلى الظواهر الجوية المتطرفة.
ولا يقتصر الأمر على ثاني أوكسيدالكربون (CO₂)، الذي اعتدنا سماع اسمه، بل هناك غازات أخرى، مثل الميثان (CH₄) وأوكسيد النيتروجين (N₂O)، التي قد تكون أشد فتكًا رغم قلة شهرتها. والأصعب من ذلك، أن بعض هذه القطاعات تُعتبر “عنيدة”، إذ يصعب تقليل انبعاثاتها بسهولة، مما يضعنا أمام تحديات تقنية واقتصادية معقدة.
هذا المقال يأخذك في رحلة استكشافية للإجابة عن هذه الأسئلة المصيرية. سنكشف عن التحديات، ونستعرض الحلول الممكنة، ونحلل السياسات الفعالة، ونستلهم من التجارب الناجحة حول العالم.
القطاعات ذات الانبعاثات العالية
تُعرَّف القطاعات عالية الانبعاثات بأنها تلك التي تساهم بشكل كبير في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مما يجعلها مسؤولة عن جزء كبير من أزمة المناخ العالمية. وتشمل هذه القطاعات ما يلي:
1. توليد الطاقة
يُعد قطاع الطاقة المسؤول الأكبر عن الانبعاثات، إذ يُسهم وحده بأكثر من 75% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم. فهو حجر الزاوية في المجتمع الحديث، إذ يوفر الكهرباء والحرارة التي تُشغّل المنازل والصناعات والخدمات.
2. الصناعات الثقيلة
تشمل هذه الفئة مجموعة من الصناعات الأساسية التي تُشكّل العمود الفقري للبنية التحتية الحديثة والسلع الاستهلاكية، مثل: إنتاج الصلب، تصنيع الأسمنت، صهر الألمنيوم، وإنتاج المواد الكيميائية.
3. النقل
يُعد هذا القطاع حيويًا لربط الأفراد وتيسير التجارة العالمية، ويشمل وسائط متعددة، منها:
المركبات على الطرق بما في ذلك السيارات والشاحنات والحافلات، السكك الحديدية، الطائرات، والسفن
ووفقًا لأحدث تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن بعض القطاعات الفرعية في الصناعات الثقيلة والنقل، مثل الطيران، الشحن البري والبحري، صناعة الصلب، إنتاج الألمنيوم، صناعة الأسمنت والخرسانة، وإزالة ثاني أوكسيدالكربون تُمثّل مجتمعة ما يقارب 25% من إجمالي الانبعاثات العالمية.
4. الزراعة
يُعد قطاع الزراعة ضروريًا للأمن الغذائي، لكنه أيضًا مصدراً رئيسياً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتنتج هذه الانبعاثات عن عدة عوامل، منها:
- الميثان (CH₄) الناتج عن الهضم عند الماشية ومن الروث.
- أوكسيد النيتروجين (N₂O) المنبعث من الأسمدة الاصطناعية وممارسات إدارة التربة.
- ثاني أوكسيدالكربون (CO₂) الناجم عن إزالة الغابات لتوسيع الرقعة الزراعية.
5. المباني
يشمل هذا القطاع المباني السكنية والتجارية والطاقة التي تستهلكها في التدفئة والتبريد والإضاءة وتشغيل الأجهزة.
وتنجم الانبعاثات من:
- الاحتراق المباشر للوقود الأحفوري لأغراض التدفئة والطهي.
- الانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بتوليد الكهرباء التي تُستخدم في المباني، والتي غالبًا ما تأتي من محطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري.
- الكربون المتجسد في مواد البناء، الذي يُساهم أيضًا في إجمالي الانبعاثات الناتجة عن هذا القطاع
مساهمة القطاعات المختلفة في الانبعاثات وأسبابها
يعد فهم مساهمة كل من هذه القطاعات في مجمل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية أمرًا بالغ الأهمية لاتخاذ إجراءات مستهدفة. ففي عام 2023، وصلت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية إلى ما يقرب من 57.1 جيجا طن من مكافئ ثاني أوكسيدالكربون. ويتم عرض توزيع هذه الانبعاثات عبر القطاعات الرئيسية في الشكل التالي:

تُظهر البيانات أن قطاع الطاقة هو أكبر مصدر منفرد لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا، يليه قطاعا النقل والصناعة، بينما يمثل القطاع الزراعي نسبة كبيرة، خصوصًا عند احتساب تأثير تغيير استخدام الأراضي. أما المباني، فرغم انخفاض انبعاثاتها المباشرة، فإن تأثيرها الكلي يزداد بشكل كبير عند احتساب الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن استهلاك الكهرباء.
أما عن الأسباب الكامنة وراء ارتفاع انبعاثات هذه القطاعات فهي تتنوع وفقاً للقطاع فعلى سبيل المثال يعود سبب ارتفاع الانبعاثات الناجمة عن قطاع الطاقة إلى أن غالبية الطاقة العالمية حاليًا تعتمد على احتراق الوقود الأحفوري، مثل الفحم، والغاز الطبيعي، والنفط، مما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أوكسيد الكربون (CO₂)، مما يجعل هذا القطاع المصدر الأول للانبعاثات عالميًا.
أما بالنسبة لقطاع الصناعات الثقيلة فتتسم هذه الصناعات بكونها كثيفة الاستهلاك للطاقة، لأن عملياتها تتطلب درجات حرارة عالية يتم تحقيقها غالبًا من خلال حرق الوقود الأحفوري، بالإضافة إلى التفاعلات الكيميائية في عمليات التصنيع (الإسمنت والصلب والألومنيوم) والتي تؤدي إلى انبعاث غازات الاحتباس الحراري بشكل مباشر.
ويُعزى جزء كبير من الانبعاثات في هذا قطاع النقل إلى الاعتماد على الوقود القائم على البترول، مثل البنزين والديزل، في محركات الاحتراق الداخلي، مما يجعله مساهمًا رئيسيًا في الانبعاثات، لا سيما ثاني أوكسيدالكربون.
تحديات التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون
يواجه انتقال القطاعات ذات الانبعاثات العالية إلى اقتصاد منخفض الكربون مجموعة معقدة من التحديات التي تمتد عبر الأبعاد التقنية، والاقتصادية، والسياسية، والتنظيمية، والاجتماعية.
التحديات التقنية
يمثل خفض انبعاثات الكربون في مختلف القطاعات تحديًا تقنيًا معقدًا. ففي قطاع الطاقة، يتطلب الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، تطوير حلول متقدمة لتخزين الطاقة وتحديث شامل للبنية التحتية للشبكات الكهربائية لضمان استقرار الإمداد. ورغم ما تحمله تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه من وعود كبيرة، إلا أنها لا تزال تواجه عقبات تتعلق بفعاليتها من حيث التكلفة وقابليتها للتطبيق على نطاق واسع.
وفي قطاع النقل، تواجه عمليات تحويل الشحن لمسافات طويلة والنقل البحري والجوي إلى الكهرباء صعوبات جمة بسبب القيود الحالية على تقنيات البطاريات والحاجة إلى إنشاء بنية تحتية واسعة النطاق للشحن والتزود بالوقود. أما الصناعات الثقيلة، فتواجه تحديات خاصة في استبدال مصادر الحرارة المرتفعة التي تعتمد عليها بشكل كبير في عملياتها، والتي تعتمد في الوقت الحالي على الوقود الأحفوري. ولا يزال تطوير وتوسيع نطاق التقنيات البديلة، مثل الهيدروجين الأخضر لصناعات الصلب والأسمنت منخفض الكربون، يمثل تحديًا تقنيًا كبيرًا ويحتاج المزيد من التطوير والتوسع.
وفي القطاع الزراعي، يتطلب قياس انبعاثات العمليات الحيوية واستخدام الأراضي وتقليلها بدقة مزيدًا من البحث والتطوير للوصول إلى تقنيات تخفيف انبعاثات فعالة. في حين أن قطاع البناء يواجه تعقيدات تقنية في تعديل المباني القائمة لتحقيق كفاءة الطاقة وتأمين مواد بناء مستدامة ومنخفضة الكربون.
التحديات الاقتصادية
يواجه التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون تحديات اقتصادية كبيرة، حيث تتطلب القطاعات ذات الانبعاثات العالية استثمارات ضخمة. ففي قطاع الطاقة، يستلزم الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة استثمارات كبيرة في توليد الطاقة، وتطوير البنية التحتية للشبكات الكهربائية، وتوسيع نطاق حلول تخزين الطاقة. ويمكن أن تعيق التكاليف الرأسمالية المرتفعة، خاصة في البلدان النامية، تبني تقنيات الطاقة النظيفة.
في حين أنه في قطاع النقل، يتمثل العائق الرئيسي في ارتفاع السعر الأولي للمركبات الكهربائية مقارنة بالمركبات التقليدية. كما أن إنشاء بنية تحتية واسعة النطاق للشحن يتطلب موارد مالية كبيرة. وكذلك فإن إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة في التقنيات الجديدة والتحديثات، مما قد يمثل عبئاً مالياً خاصة على الشركات ذات هوامش الربح الضيقة.
أما بالنسبة للقطاع الزراعي، فقد يواجه المزارعون الذين يتحولون إلى ممارسات زراعية مستدامة شكوكًا اقتصادية تتعلق بتكاليف الاعتماد واحتمال انخفاض الإنتاجية. وبالمثل، غالبًا ما يتضمن تنفيذ ممارسات البناء الأخضر تكاليف أولية أعلى للمواد والتقنيات.
التحديات السياسية والتنظيمية
تمثل التحديات السياسية والتنظيمية عائقًا كبيرًا أمام جهود الحد من الانبعاثات. فغياب سياسات ولوائح قوية ومتسقة يعرقل التقدم، ويمكن أن يؤدي عدم الاستقرار والمخاطر السياسية إلى تثبيط الاستثمار في قطاع الطاقة، بينما قد تؤخر إجراءات التصريح المطولة مشاريع الطاقة النظيفة.
وفي قطاع النقل، يعيق التقدم الافتقار إلى معايير عالمية موحدة للنقل المستدام وعدم كفاية الدعم السياسي للطاقة المتجددة. أما في الصناعة، فقد يعرقل تنفيذ معايير بيئية أكثر صرامة غياب لوائح واضحة لتعزيز الاقتصاد الدائري والمخاوف المتعلقة بالقدرة التنافسية.
وفي القطاع الزراعي، غالبًا ما يفتقر إلى سياسات وحوافز متسقة لتشجيع الممارسات الزراعية المستدامة، ويمكن أن تخلق القواعد المعقدة المتعلقة بالإعانات حواجز أمام التغيير. وبالمثل، يواجه قطاع البناء تحديات بسبب القوانين المحلية المتضاربة ومقاومة التغييرات في معايير البناء مما يؤدي إلى تبطؤ تقدم القطاع.
التحديات الاجتماعية
تمثل هذه التحديات جانبًا حاسمًا في جهود الحد من الانبعاثات، حيث يعد التغلب على مقاومة التغيير من المجتمعات والعمال المعتمدين على القطاعات ذات الانبعاثات العالية أمرًا بالغ الأهمية. فالتحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري قد يؤدي إلى فقدان الوظائف، مما يستلزم وضع استراتيجيات انتقال عادلة وبرامج إعادة تدريب.
وفي الوقت نفسه، قد يؤدي التردد العام تجاه الطاقة المتجددة، سواء بسبب التكلفة أو المخاوف الجمالية، بالإضافة إلى قلق النطاق المرتبط بالمركبات الكهربائية، إلى إبطاء معدلات التبني.
وفي القطاع الزراعي، قد يتردد المزارعون في تبني ممارسات مستدامة جديدة خوفاً من المخاطر المالية. كما أن نقص الوعي العام بأهمية كفاءة الطاقة في المباني يجعل التغيير أكثر صعوبة.
الفرص المتاحة في التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون
رغم التحديات الكبيرة، فإن انتقال القطاعات ذات الانبعاثات العالية إلى اقتصاد منخفض الكربون يفتح آفاقًا واسعة من الفرص، تشمل الابتكار التكنولوجي، والتنمية الاقتصادية، والدعم السياسي، ومشاركة القطاع الخاص.
الابتكار التكنولوجي
يقدم الابتكار التكنولوجي إمكانات تحويلية للحد من الانبعاثات. ففي قطاع الطاقة، تعمل التطورات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية على زيادة كفاءة هذه المصادر وخفض تكلفتها. ويبرز الهيدروجين الأخضر، المنتج باستخدام الكهرباء المتجددة، كوقود نظيف يمكن استخدامه في توليد الطاقة والصناعة والنقل. كما أن حلول تخزين البطاريات المتقدمة والطاقة الحرارية ضرورية لدمج مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة في الشبكة. بالإضافة إلى ذلك، توفر تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه (CCS) والتقاط الهواء المباشر (DAC) مسارات للتخفيف من الانبعاثات الحالية والمستقبلية. وتعزز الشبكات الذكية، التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء (IoT)، كفاءة توزيع الطاقة وفعاليتها.
وفي قطاع النقل، تشهد المركبات الكهربائية ابتكارات في تحسين المدى وقدرات الشحن، وتتطور تقنيات خلايا وقود الهيدروجين للنقل لمسافات طويلة، ويجري تطوير وقود الطيران المستدام لإزالة الكربون من النقل الجوي .
أما بالنسبة للصناعة، فيمكن للهيدروجين الأخضر أن يحل محل الوقود الأحفوري في العمليات الصناعية ذات الحرارة العالية، ويمكن لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه (CCUS) أن يخفض الانبعاثات الصناعية بشكل كبير.
وفي القطاع الزراعي، تعزز الممارسات الزراعية التجديدية احتجاز الكربون في التربة، ويجري تطوير تقنيات حديثة للحد من الميثان من الماشية مما يساهم في خفض انبعاثات الزراعة.
ويستفيد قطاع البناء من التقنيات الموفرة للطاقة مثل العزل المتطور، وأنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء (HVAC) عالية الكفاءة، وأدوات التحكم الذكية في المباني، ودمج مصادر الطاقة المتجددة في المباني مثل الألواح الشمسية مما يعزز من الاكتفاء الذاتي للطاقة.
الفرص الاقتصادية
يحمل التحول إلى اقتصاد أخضر إمكانات كبيرة لتحقيق النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل جديدة.
يُعد قطاع الطاقة المتجددة بالفعل قطاعًا رئيسيًا في توفير فرص العمل، ومن المتوقع أن يشهد المزيد من النمو في مجالات التصنيع والتركيب والصيانة. كما أن صناعة المركبات الكهربائية وتطوير البنية التحتية للشحن تخلق فرص عمل جديدة. ويمكن أن يؤدي إزالة الكربون من الصناعة إلى تحفيز الابتكار وتطوير قطاعات جديدة في مجال التكنولوجيا النظيفة.
وفي القطاع الزراعي، يمكن أن تؤدي الممارسات الزراعية المستدامة إلى تحقيق وفورات في التكاليف للمزارعين وفتح أسواق جديدة للأغذية المنتجة بشكل مستدام.
وبالمثل، يقدم قطاع البناء الأخضر فرصًا في مجال البناء، وتصنيع المواد المستدامة، وخدمات كفاءة الطاقة.
السياسات الداعمة
تلعب الحكومات والمنظمات الدولية دورًا حيويًا في تسريع الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون من خلال السياسات الداعمة. ويشمل ذلك:
- وضع أهداف واضحة لخفض الانبعاثات.
- تنفيذ آليات تسعير الكربون لتشجيع خفض الانبعاثات.
- تقديم حوافز مالية لدعم الطاقة النظيفة والممارسات المستدامة.
- الاستثمار في البحث والبنية التحتية لتحفيز الابتكار.
- وضع معايير كفاءة الطاقة للمركبات، والمباني، والأجهزة لتعزيز تبني التكنولوجيا النظيفة.
دور القطاع الخاص
يدرك القطاع الخاص بشكل متزايد دوره في قيادة هذا الانتقال من خلال الاستثمار في الحلول المستدامة. ويشمل ذلك الاستثمارات المالية في مشاريع الطاقة المتجددة، وتطوير ونشر التقنيات النظيفة، وتنفيذ الممارسات المستدامة عبر عملياته وسلاسل التوريد. وتعتبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية لتنفيذ مشاريع البنية التحتية المستدامة واسعة النطاق.
دراسات حالة ونجاحات ملهمة
تشهد العديد من الدول نجاحات ملحوظة في خفض الانبعاثات وتعزيز الطاقة النظيفة من خلال سياسات مبتكرة واستثمارات قوية. فيما يلي بعض الأمثلة البارزة:
الطاقة المتجددة في ألمانيا: حققت ألمانيا تقدمًا ملحوظًا في تحويل قطاع الكهرباء لديها إلى مصادر متجددة. ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، شكلت مصادر الطاقة المتجددة 59% من توليد الطاقة في البلاد، متجاوزة بذلك الوقود الأحفوري لأول مرة. ويعود هذا الإنجاز إلى الدعم الحكومي المستمر، بما في ذلك تعريفات التغذية وأهداف التوسع الطموحة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية.
اعتماد المركبات الكهربائية في النرويج: تتصدر النرويج دول العالم في معدل اعتمادها المرتفع بشكل استثنائي للمركبات الكهربائية. ففي عام 2024، كانت المركبات الكهربائية بالكامل تمثل ما يقرب من 90% من مبيعات السيارات الجديدة. ويعزى هذا النجاح إلى مجموعة شاملة من الحوافز الحكومية، مثل الإعفاءات الضريبية، وتخفيض الرسوم، والوصول إلى ممرات الحافلات، بالإضافة إلى بنية تحتية متطورة للشحن.
وعلى الرغم أن العديد من الدول العربية أحرزت تقدمًا كبيرًا في مشاريع الطاقة المتجددة، مثل محطة رياح رأس غارب في مصر، ومحطة دومة الجندل في السعودية، ومحطتي منح 1 ومنح 2 في سلطنة عمان، ومجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في الإمارات، إلا أن بعض الدول تفوقت أيضًا في خفض الانبعاثات في قطاعات أخرى. فيما يلي بعض أبرز الإنجازات:
اسم الدولة | الإنجاز | السياسات والمخرجات |
الإمارات العربية المتحدة | أنتجت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA) 66,000 طن من “الألمنيوم الشمسي” منخفض الكربون | استخدام الطاقة الشمسية في عملية صهر الألمنيوم، والطلب المتزايد عالميًا على المواد الصناعية الصديقة للبيئة، مما عزز التحول إلى إنتاج صناعي مستدام. |
السعودية | أنشأت شركة أرامكو صندوق استدامة بقيمة 1.5 مليار دولار، برنامج “تلايد” لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة | التركيز على التقنيات الناشئة مثل احتجاز الكربون وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وإشراك الشركات الصغيرة والمتوسطة في جهود خفض الانبعاثات، مما يعكس الدور المتزايد لشركات الطاقة الكبرى في دعم الاستدامة وتعزيز الابتكار في مجال الطاقة النظيفة. |
الإمارات العربية المتحدة | الريادة في الزراعة العمودية، إنتاج أكثر من مليون كيلوغرام من الخضروات الورقية سنويًا | استخدام مياه أقل بنسبة 95% مقارنة بالزراعة التقليدية، وتقليل استخدام الأراضي وانبعاثات النقل من خلال إنتاج الغذاء محليًا، مما جعل الزراعة العمودية تقنية فعالة لمواجهة تحديات المناخ والمياه. |
المغرب | إطلاق برنامج OCP الأخضر بقيمة 13 مليار دولار | تركيز شامل على تقليل الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة، واستثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة والتقنيات المستدامة، مما يمثل التزامًا قويًا من قبل أحد اللاعبين الصناعيين الرئيسيين في المنطقة نحو إزالة الكربون. |
الإمارات العربية المتحدة | مشروع لاحتجاز ما يصل إلى 45% من انبعاثات ثاني أوكسيدالكربون من مصانع الحديد المختزل المباشر (DRI) | استخدام تقنية احتجاز الكربون وتخزينه (CCS)، والالتزام المتزايد من الشركات الصناعية في المنطقة بتطبيق حلول مبتكرة لخفض انبعاثاتها، مما يعد خطوة مهمة نحو خفض الانبعاثات في صناعة الصلب، ولكنه يبرز أيضًا الحاجة إلى تطوير تقنيات أكثر كفاءة في احتجاز الكربون لتحقيق تأثير أكبر. |
الإمارات العربية المتحدة | توسيع أسطول الحافلات في دبي ليشمل حافلات كهربائية وحافلات تعمل بالهيدروجين، تطوير تقنية سيارات الأجرة الجوية | الالتزام القوي بتنويع وسائل النقل العام باستخدام بدائل أنظف، والاستثمارات في التكنولوجيا المتقدمة مثل النقل الجوي الحضري، مما يظهر ريادة إقليمية في تطوير وسائل نقل منخفضة الكربون، ويعكس رؤية مستقبلية لنظام نقل حضري مستدام. |
الخاتمة: من التحدي إلى الفرصة – نحو مستقبل منخفض الكربون
تشكل القطاعات ذات الانبعاثات العالية جوهر التحدي المناخي العالمي ، ولكن في الوقت ذاته فإن تحولها إلى أنظمة مستدامة يفتح الباب أما فرص هائلة للنمو والابتكار. فبينما تواجه هذه القطاعات تحدياتها الفريدة، إلا أن الحل يكمن في تبني نهج شامل ومتكامل.
ورغم التحديات التقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعيق هذا التحول، فإن التقدم التكنولوجي السريع، والاستثمارات المتزايدة في الصناعات الخضراء، والسياسات الحكومية الداعمة، والدور المتنامي للقطاع الخاص، ترسم جميعها مسارات واضحة لتحقيق مستقبل منخفض الكربون ومستدام.
لقد أثبتت دول مثل ألمانيا والنرويج أن التحول إلى الطاقة المتجددة والنقل النظيف ممكن، كما تشهد منطقتنا العربية سباقًا محمومًا نحو مستقبل مستدام عبر استثمار ثرواتها الطبيعية في مشاريع رائدة تخدم الأجيال القادمة.
ولكن يبقى السؤال: هل سنكتفي بالاحتفاء بهذه النجاحات، أم سنجعلها نقطة انطلاق نحو آفاق أرحب؟
الوقت ليس في صالحنا، والمستقبل يُصنع اليوم. فلنحوّل “الشرارات الصغيرة” التي نطلقها في حياتنا اليومية إلى “محركات دافعة” للتغيير الإيجابي، ونكون جزءًا من الحل، لا المشكلة
تابعونا على لينكيد إن Linked-in لمعرفة كل جديد في مجال الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية…
The post عمالقة الانبعاثات: من المسؤول الحقيقي عن تغير المناخ؟ appeared first on Solarabic سولارابيك. Written by بسمه عبود